محمد بن زكريا الرازي

87

الحاوي في الطب

لي : الغرض في ابتداء ذات الجنب منع الورم أن يكون ولذلك يحتاج إلى الفصد والاستفراغ ، فإن كان بعد ذلك النخس شديدا والحمى والأعراض فليس يمكن أن يمنع هذا المرض من أن يكون ، فحينئذ لا يجب أن يسرف في إخراج الدم لأنه ينقص القوة ويؤخر النضج ويضعف النفث ، فإذا نضج فالغرض التنقية قبل أن تصير مدة وإن صار مدة فالغرض تنقيتها بالنفث قبل أن تفسد الرئة وتدبيرهم تدبير الأمراض الحادة في ماء الشعير والعسل ونحوهما . الأولى من « الأمراض الحادة » : قال : متى كانت ذات الجنب يابسة قليلة النفث وكنت قد عملت بالمريض ما احتاج إليه من فصد وإسهال وكان يحتاج أن يعطى ماء الشعير مرتين في اليوم على ما بينا في باب الأمراض الحادة بالغداة والعشي فأعطه في المرة الثانية كمية أقل ، وأعطه قبل ذلك ماء العسل أو شرابا أبيض رقيقا أيما رأيته أنفع على ما سنبين ، لأن ما كان هؤلاء علته أيبس فإما أن تطول علته وإما أن يعطب ، وأما من كانت علته رطبة سهلة النفث فإن حرارته تسهل وتسرع ، قال : وبمقدار كثرة النفث فأكثر تقوية العليل بالغذاء لأن مع كثرة النفث لا تأمن من الخطر ويحتاج حينئذ إلى تقوية القوة لتدفع الفضل كله . قال : متى كان ما ينفث بالبصاق على ما يجب ولم يكن بالمريض حاجة إلى فصد ولا إسهال ولا حقنة فغذه بكشك الشعير ، ومتى كانت به حاجة إلى هذه فلا تغذه ولا بماء كشك الشعير حتى تفعل به ذلك ، متى كنت شاكا هل يحتاج إلى ذلك أم لا ، فاغذه بماء الكشك حتى يثبت لك أمره ثم اعمل بحسب ذلك . قال : ومتى كان ما ينفث بالبزاق على ما ينبغي ولم يكن بالمريض حاجة إلى أخذ دواء واستعمال حقنة فإن أبقراط يأمر بتغذيته بكشك الشعير ، قال : لأنك إذا أعطيتهم كشك الشعير على نحو ما يحتاجون إليه سهل نفثهم وسكن ونقوا وأسرع بحرانهم وإن جمعوا مدة وكان أقل مما لو دبروا بغير هذا التدبير ، لأن كشك الشعير يرطب ويقطع الأخلاط التي تحتاج إلى أن تنفث فيسهل نفثها وهو مع ذلك يقوي القوة ، وماء العسل وإن كان يرطب هذه الأخلاط فليس يقوي القوة كما يقوي كشك الشعير ، وأما الأغذية الغليظة فإنها وإن كانت تقوي القوة أكثر فإنها تغلظ النفث وتعسره فيجب أن تجتنب هذه ، لأن الطبيب الذي أعطى العليل الذي به شوصة بعد أن انحط مرضه انحطاطا تاما حتى أنه لم يكن به حاجة إلى الأشياء خلا نفث تلك الأخلاط التي قد نضجت عدسا مبلولا بخل حبس نفثه صار سببا لقتله لأنه اختنق في الليلة الثانية ولكن ماء الشعير وكشكه ، وماء الشعير لا يبلد الأخلاط ولكن يرطبها ويقطعها ومتى احتاج العليل إلى أقوى منها فأصلح الأطعمة له سمك الصخور متخذا بماء وكراث وشبث وملح وقليل من الدهن معتدل ، وأعطه قبل ذلك سكنجبينا إلا أن يكون العصب من ذلك العليل ضعيفا عليلا ، والرحم من المرأة فتعطى مكانه الدواء المتخذ بالفراسيون وأصل السوسن ، فإن هذا الدواء وحده متى شرب مع ماء العسل أنضج الفضول التي في الصدر وسهل نفثها بالبصاق ، فأما متى لم تكن علته في العصب فالسكنجبين كاف في تقطيع الأخلاط وهو مع ذا لا يضر بالمعدة .